عثمان بن جني ( ابن جني )

248

الخصائص

للألفاظ ، على ما تقدّم . وذلك أن أصل الزيادة في أوّل الكلمة إنما هو للفعل . وتلك حروف المضارعة في أفعل ، ونفعل ، وتفعل ، ويفعل ، وكلّ واحد من أدلّة المضارعة إنما هو حرف واحد ، فلمّا انضمّ إليه حرف آخر فارق بذلك طريقه في باب الدلالة على المعنى ، فلم ينكر أن يصار به حينئذ إلى صنعة اللفظ ، وهي الإلحاق . ويدلّك على تمكّن الزيادة إذا وقعت أوّلا في الدلالة على المعنى تركهم صرف أحمد ، وأرمل ، وأزمل " 1 " ، وتنضب ، ونرجس ، معرفة ؛ لأن هذه الزوائد في أوائل الأسماء وقعت موقع ما هو أقعد منها في ذلك الموضع ، وهي حروف المضارعة . فضارع أحمد أركب ، وتنضب تقتل ، ونرجس نضرب ، فحمل زوائد الأسماء في هذا على أحكام زوائد الأفعال ؛ دلالة على أن الزيادة في أوائل الكلم إنما بابها الفعل . فإن قلت : فقد نجدها للمعنى ومعها زائد آخر غيرها ؛ وذلك نحو ينطلق وأنطلق ، واحرنجم ، ويخرنطم ، ويقعنسس . قيل : المزيد للمضارعة هو حرفها وحده ، فأمّا النون فمصوغة في حشو الكلمة في الماضي ؛ نحو احرنجم ، ولم تجتمع مع حرف المضارعة في وقت واحد ، كما التقت الهمزة والياء مع النون في ألنجج ويلندد في وقت واحد . فإن قلت : فقد تقول : رجل ألدّ ثم تلحق النون فيما بعد ، فتقول : ألندد ، فقد رأيت الهمزة والنون غير مصطحبتين . قيل : هاتان حالان متعاديتان ؛ وذلك أن ألدّ ليس من صيغة ألندد في شيء ، إنما ألدّ مذكر لدّاء ؛ كما أن أصمّ تذكير صمّاء . وأمّا ألندد فهمزته مرتجلة مع النون في حال واحدة ، ولا يمكنك أن تدّعى أن احرنجم لمّا صرت إلى مضارعه فككت يده عمّا كان فيها من الزوائد ، ثم ارتجلت له زوائد غيرها ؛ ألا ترى أن المضارع مبناه على أن ينتظم جميع حروف الماضي من أصل أو زائد ؛ كبيطر ويبيطر ، وحوقل ويحوقل ، وجهور ، ويجهور ، وسلقى ويسلقى ، وقطّع ويقطّع ، و ( تكسّر ويتكسّر ) وضارب ويضارب .

--> ( 1 ) الأزمل : الصوت ، وجمعه الأزامل .